صديق الحسيني القنوجي البخاري
471
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَمَحْيايَ وَمَماتِي أي ما أعمله في هاتين الحالتين من أعمال الخير ، ومنها في الممات الوصية بالصدقات وأنواع القربات وقيل نفس الحياة ونفس الموت لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي خالصة أو مخلوقة له . لا شَرِيكَ لَهُ في العبادة والخلق والقضاء والقدر ، وسائر أفعاله لا يشاركه فيها أحد من خلقه وَبِذلِكَ أي بالتوحيد أو بما أفاده قوله للّه من الإخلاص في الطاعة وجعلها للّه وحده أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي المنقادين من هذه الأمة قاله قتادة . وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عمران بن حصين قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملته وقولي إن صلاتي « إلى » وأنا أول المسلمين ، قلت يا رسول اللّه هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة قال لا بل المسلمين عامة . قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ الاستفهام للإنكار وهو جواب على المشركين لما دعوه إلى عبادة غيره سبحانه أي كيف أَبْغِي غير اللّه رَبًّا مستقلا وأترك عبادة اللّه أو شريكا للّه فأعبدهما معا وَهُوَ أي والحال أنه رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ والذي تدعونني إلى عبادته هو من جملة من هو مربوب له مخلوق مثلي ، لا يقدر على نفع ولا ضرر ، فكيف يكون المملوك شريكا لمالكه ، وفي هذا الكلام من التقريع والتوبيخ لهم ما لا يقادر قدره . وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها أي لا تؤخذ بما أتت من الذنب وارتكبت من المعصية سواها فكل نفس كسبها للشر عليها لا يتعداها إلى غيرها . وهو مثل قوله تعالى لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] وقوله لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [ طه : 15 ] وَلا تَزِرُ تحمل نفس وازِرَةٌ حاملة وِزْرَ حمل أُخْرى ولا تؤاخذ نفس آئمة بإثم أخرى . وأصل الوزر الثقل ؛ ومنه قوله تعالى وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [ الشرح : 2 ] وهو هنا الذنب ، قال ابن عباس لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ، وفيه ردّ لما كانت عليه الجاهلية من مؤاخذة القريب بذنب قريبه . والواحد من القبيلة بذنب الآخر ، وقد قيل : إن المراد بهذه الآية في الآخرة ، وكذلك التي قبلها لقوله تعالى وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الأنفال : 25 ] ومثله قول زينب بنت جحش يا رسول اللّه أنهلك وفينا الصالحون قال : « نعم إذا كثر الخبث » « 1 » . والأولى حمل الآية على ظاهرها ، أعني العموم وما ورد من المؤاخذة بذنب
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الفتن باب 4 ، 28 ، ومسلم في الفتن حديث 1 ، 2 ، والترمذي في الفتن باب 21 ، 23 ، وابن ماجة في الفتن باب 9 ، ومالك في الكلام حديث 22 ، وأحمد في المسند 6 / 428 ، 429 .